القرطبي
227
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ولا يحمل ) . وذكر الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة ) . قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم . وذكر من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق ، فقال : ( من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه ) . قال فيه : حديث حسن . وفي حديث عمر رضي الله عنه : ( إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ ثبانا ) . قال أبو عبيد قال أبو عمر : وهو الوعاء الذي يحمل فيه الشئ ، فإن حملته بين يديك فهو ثبان ، يقال : قد تثبنت ثبانا ، فإن حملته على ظهرك فهو الحال ، يقال منه : قد تحولت كسائي إذا جعلت فيه شيئا ثم حملته على ظهرك . فإن جعلته في حضنك فهو خبنة ، ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع ( ولا يتخذ خبنة ) . يقال منه : خبنت أخبن خبنا . قال أبو عبيد : وإنما يوجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر الذي لا شئ معه يشتري به ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته . قلت : لان الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه ، فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أول الاسلام ، أو كما هو الان في بعض البلدان ، فذلك جائز . ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة ، كما تقدم والله أعلم . وإن كان الثاني ( 1 ) وهو النادر في وقت من الأوقات ، فاختلف العلماء فيها على قولين : أحدهما - أنه يأكل حتى يشبع ويتضلع ( 2 ) ، ويتزود إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازة وقفر ، وإذا وجد عنها غنى طرحها . قال معناه مالك في موطئه ، وبه قال الشافعي وكثير من العلماء . والحجة في ذلك أن الضرورة ترفع التحريم فيعود مباحا . ومقدار الضرورة إنما هو في حالة عدم القوت إلى حالة وجوده . وحديث العنبر نص في ذلك ، فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما رجعوا من سفرهم وقد ذهب عنهم الزاد ، انطلقوا إلى ساحل البحر فرفع
--> ( 1 ) يريد بالثاني أحد فرضي المخمصة الذي تقدم في المسألة " الثانية والعشرين " وهو غير الدائمة . ( 2 ) تضلع : أمثلا شعبا أوروبا .